هل تنهض المرأة بدور حقيقي يسهم في بناء مجتمع تقدّمي من خلال ممارستها لأشكال نضالية متنوعة ؟!سؤال يدعونا إلى التفكير مليّا في واقع المرأة اليوم، ويدفعنا إلى تأمّل ما حاولت انجازه وافتكاكه من حقوق وحريّات ترسّخ مبدأ المساواة التامة والفعلية مع الرّجل.إنّ الواقع صنع امرأة يكاد " فعلها الحضاري " ينعدم وصرف اهتمامها عن قضاياه ومشاكله الجوهرية إلى التعلّق بأشياء تبدو شكليّة، وبأطروحات تعمّق جهلها وتوظفها لخدمة التيارات الفاشية أو الرجعية.فرغم خروجها إلى العمل وتمتعها بحريّة الملبس والمساواة – إن شكليّا – مع الرجل في مجالات متعددة. فغنها تظلّ رهينة تعاليها على الهموم الحقيقية التي تثقل كاهل المجتمع.وإن اختلف وضعها الاقتصادي والفكري عمّا كانت عليه في السنوات الأولى من الاستقلال، فإنها تبدو حبيسة تصوّرات معيّنة وقيود مفروضة عليها بأشكال مختلفة.فما تصوّرت أنّها حققته أو افتكته من حريات لم يكن إلاّ حرّيات ليبرالية شكلية لا قيمة جوهرية لها. تكرّس صورتها باعتبارها سلعة للعرض لا غير، وتلغي كيانها الإنساني.والمرأة تنتعل هذا " الكعب العالي " في النظر إلى العالم ومحاولة فهم تفاصيله ودقائقه. ويظلّ فهمها محدودا وأفق انتظارها ضيّقا لا يسع كلّ ملامحه. يفصلها عن الحقيقة هذا " الكعب " فلا هي تلامس الأرض / الواقع ولا هي تدرك معانيه وقضاياه. مطمئنة إلى ما تتخيّله أو ما تراه من " برجها العاجي " " فكأنها في كهف أفلاطون تعيش ولا تعي بين الظلال " كما يقول توفيق بكار.وإذا هي تقص من دوائر الصراع الحقيقي وتنفلت من ضرورة مواجهة الإشكاليات المطروحة في مجتمعنا، لا ترى إلاّ الأشكال وظاهر الأمور، لا ينكشف لها المخبوء ولا يبيح نفسها لها." فلا تطمح نفسها إلى الغايات القصيّة " وإنّما تكتفي بما يسمح لها من ممارسات شكلية لا معنى حقيقي لها.فهي خاضعة رغم " تحرّرها " لسلط كثيرة دينية واجتماعية وسياسيّة وإيطيقية / أخلاقية هذه السلّط فرضت هجرتها من الواقع إلى عالم آخر تؤسسه كما تشاء. وتفترض وجوده في مخيالها، " مستسلمة للنّواميس "، مدّعية " سعادة المطمئنّ " نظرا لتقلّص وعيها السياسي والثقافي." فلا تكون إلاّ واهنا مقطاع الجهد " كما عبّر عن ذلك محمود المسعدي. لا تستطيع إلى التبدّل سبيلا. كائن ناقص يكاد ينعدم، قوامه الشعور والانفعال لا العقل والتفكر.ويبدو أنّ وضع المرأة هذا وضع عادّي إذا ما ربطناه بواقعه وبظروفه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. فالمرأة عنصر من عناصر المجتمع وإذا تعرّض المجتمع إلى ضغوط وقمع وتهميش، فلا بدّ أن يتوقع المرء تهميش دور المرأة. فتحريرها مرتبط بتحرير المجتمع وفكّ الحصار والقيود عن طبقاته الكادحة ومحاولة القطع مع الثقافات التي تكرّس / تفرض المرأة سلعة أو تلك التي تنادي بشرعيّة " البغاء المقنّن " باعتبار أنّ هذه الثقافات تلغي دور المرأة الفاعل، وتقرّ بأنّها مجرّد تابع لا غير للرجل فهو قوّام عليها. أدرى بمصالحها، أعرف بما يجب أن تفعل، وهي " كتلة من الحواس وقرار في المكان ورضا بالوجود الملموس الذاتي " كما يصفها توفيق بكار في حديثه عن ريحانة.إنّ للحريات دور هام في نحت ملامح شخصيّة المرأة وبناءها. يتجسّد خاصّة في مجال الفنّ بما هو تعبير عن مشاكلها اليوميّة ورسم لعذاباتها.والفنّ يساعدها على تصوير واقعها الذّاتي والموضوعي، ويرصد ما ترنو إليه من حريّات حقيقية لا شكليّة تدفع المجتمع نحو كسر قيوده، وتساهم في إنشاء الأجيال التي تستوعب قضايا الإنسان، وتدافع عن برامج تقدميّة تشكل ملامح الثقافة الإنسانية.إنّ الدور الحقيقي للمرأة يتمثل في " انتصارها للحريّة والتقدّم والعدالة الاجتماعية " ومحاولة إزالة " الفوارق بين الطبقات ".دور ثوريّ يدفعها إلى التعامل مع الواقع وحيثياته دون التعالي عليه.
المصدر: صحيفة "مواطنون"، لسان حال التكتل الديمقراطي للعمل والحريات،